Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

شقة اسكندرية

“البحر لا يحفظ الأسرار، لكنه يبتلعها إلى حين…”*

> ـ من دفتر قديم وُجد تحت أرضية الشقة.

مقالات ذات صلة

 

 

الإسكندرية، شتاء عام ٢٠١٨.

في صباحٍ رمادي، كان الضباب يزحف ببطء فوق أرصفة محطة الرمل، يبتلع ملامح العابرين، كأن المدينة تخبئ شيئًا. الشوارع الضيقة، والأبواب الخشبية التي تئن تحت المطر، والنوافذ التي تصدر صريرًا غامضًا — كل شيء كان يوحي بأن هذا المكان يهمس، ولكن بصوتٍ لا يسمعه إلا من تم اختياره.

 

أحمد عبد العال، شاب عشريني نحيل، يحمل حقيبة متهالكة وحلمًا ثقيلًا. قادم من أعماق الصعيد، تاركًا خلفه بيتًا متقشّفًا وأبًا مريضًا وأمًا تودّعه كل مرة وكأنها الوداع الأخير.

 

كان قد قُبل في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، تخصص الفلسفة. الفلسفة تحديدًا، لأنها وحدها كانت تمنحه شعورًا بأنه يفهم العالم — أو على الأقل يتظاهر بذلك.

 

حين خرج من محطة القطار، استقبله هواء البحر البارد كصفعة. رفع ياقة معطفه، ومشى نحو زقاق جانبي بناءً على موعد غامض رتبه مع رجل يُدعى “الحاج رزق”.

 

ظهر الرجل كأنما خرج من بين طيّات الضباب. كان طويلًا، أصلع الرأس، بعينين زجاجيتين تلمعان رغم غيوم السماء، وابتسامة لا تُبشر بشيء واضح.

 

– “إنت أحمد، صح؟”

 

– “أيوه… حضرتك الحاج رزق؟”

 

هز رأسه دون كلمة، ثم أشار بعصاه الخشبية:

– “تعالى ورايا… الشقة مستنياك من بدري.”

 

“مستنياك؟” تردد صدى الكلمة في ذهن أحمد، لكنه لم يسأل. كان عقله مشغولًا بأمرٍ آخر: كيف تكون شقة مفروشة، وسط المدينة، بسعر زهيد كهذا؟!

 

 

العمارة كانت من طراز قديم، مبنية بالحجر الرملي، تقف كهيكلٍ عتيق يتحدى الزمن. واجهتها مغطاة بطبقات متراكمة من المطر والغبار، ونوافذها عالية وكأنها تراقب الداخلين بصمت.

 

وحين صعدا السلالم — لأن المصعد كان معطلًا كما أخبره الحاج رزق — كان الصمت يلف المكان. لا صوت يُسمع إلا وقع أقدامهما وصرير الخشب تحت الأحذية.

 

وقف الحاج رزق أمام الباب رقم ٤١. لم يطرق، لم ينادِ. بل أخرج مفتاحًا نحاسيًا من جيبه، ودفع الباب ببطء، حتى انفتح بمفصلة تصدر أنينًا… يشبه تمامًا أنين المرضى.

 

دخل أحمد. لم تكن الشقة مهجورة، بل نظيفة أكثر مما توقع. أثاث بسيط، لكن مرتب. ستائر بيضاء شاحبة، وسجادة عجمية باهتة. لكن الغريب… هو الرائحة.

 

رائحة قديمة، كأن المكان مغلق منذ عشرين سنة، وكأن الزمن هنا اختار أن يتوقف، أو على الأقل أن يتباطأ بشدة.

 

قال الحاج رزق، بصوت بدا وكأنه موجه للغرفة لا لأحمد:

– “ها هي… كانت فاضية سنين، بس كانت مستنية حد ييجي. يمكن حضرتك.”

 

أحمد لم يفهم. لكنه ابتسم مجاملة، وأخذ يتفحص المكان. شعر للحظة أن شيئًا ما يُراقبه، لا من باب الرعب، بل من باب الحذر. وكأن الجدران تريد أن تعرف: هل هذا الزائر سيكون مختلفًا؟ أم مجرد رقم آخر في لائحة الراحلين؟

 

وقبل أن يغادر الحاج، وضع يده على كتف أحمد بقوة مفاجئة، وقال بنبرة خشنة:

– “الشقة دي… فيها ناس سكنوا قبلك، بس مش كلهم مشيوا بإرادتهم.”

 

ثم سلّمه المفتاح، وأغلق الباب خلفه.

 

 

في تلك الليلة، جلس أحمد أمام النافذة، يشرب شايًا بارداً، يتأمل البحر من بعيد.

 

لكن البحر لم يكن ساكنًا. كان مضطربًا، يشبه روحه. وكأن الأمواج كانت تهمس له — بكلمات لم يتعلمها بعد.

 

في ركن الغرفة، كانت المرآة العتيقة تعكس وجهه. لكن للحظة… للحظة فقط، أقسم أنه رأى وجهًا آخر يقف خلفه. لم يلتفت.

 

لأنه لا يريد أن يصدق… أن الشقة لا تنتظر السكن فقط، بل تنتظر شيئًا آخر.

السابق1 من 3
تابع المقال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock